فضاء طلبة سوف

عانقت جدران منتدانا
عطر قدومك ... وتزيّنت
مساحاته بأعذب عبارات الود والترحيب
ومشاعر الأخوة والإخلاص ... كفوفنا ممدودة
لكفوفـك لنخضبها جميعاً بالتكاتف في سبيـل زرع بذور
الأخلاقيـات الراقيـة ولا نلبـث أن نجني منهـا
إن شاء الله ثمراً صالحاً.. ونتشـارك
كالأسرة الواحدة لتثقيف بعضنا
البعض في كل المجالات أتمنى لك قضاء
وقت ممتع
معنا
مرحبا بك بمنتدى فضاء طلبة سوف

فضاء طلبة سوف

منتدى يناقش انشغالات الطلبة في شتى المجالات

Cool Dark Blue 
Pointer Glitter

    قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    شاطر

    سلوى
    عضو فضي
    عضو فضي

    انثى
    عدد المساهمات : 188
    نقاط : 2593
    العمر : 21
    الموقعوادى سوف الدبيلة
    العمل/الترفيهطالبة وعاشقة للسفر وركوب الخيل
    المزاج حسب الجو

    قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف سلوى في الإثنين أغسطس 09, 2010 4:11 pm


    عنوان القصة: عندما تكبرين..

    المؤلفة: آمال فرجاني

    إسمي نوال.

    وتلك الليلة، كانت أجمل ليلة في حياتي..

    لم تفارق عيناي النافذة التي أغلقها أبواي خوفا علي وعلى إخوتي من برد الخريف. كنت أنتظر قدوم الصباح بشغف وشوق. تسللت من بين إخوتي، توجهت إلى النافذة، وأشرعتها على جبال الشريعة الشاهقة. تلك الجبال التي كانت تشبه أحلامي الصغيرة الكبيرة.

    بدأت أعد النجوم المتلألئة، و رغم برودة الجو، كانت تلك الليلة أجمل ليلة في حياتي.. وأطول ليلة.
    إنها الليلة التي سبقت يوم التحاقي بمدرسة "باب الرحبة" الفرنسية.

    كانت كلمة "الفرنسية" بالذات تثير عندي مشاعرغامضة وتساؤلات كثيرة، فلقد سمعت كلمة "الفرنسية" على عدة أشكال: "الفرنسيون" "فرانسا" "عسكر فرانسا" "الاستعمار الفرنسي" التي كان أبي يلفظها بتكتم عندما يحكي لنا عن الوطن..
    وأما الكلمة الأكثر غموضا والأكثر إثارة لغضبي فكانت كلمة "فرانسواز"، وهو اسم جارتنا الرومية لأنها كانت تتكلم تلك اللغة التي لا أفهمها، وإن كانت في كل مرة تتوجه لي فيها بالكلام عندما نطل من نافذتها لنتجسس على تلفازها الغريب، كنت أستنتج من تقاسيم وجهها المتجهم أنها تشتمني.. هنا تولدت عندي الرغبة في تعلم تلك اللغة، حتى أتمكن من أن أقول لها ما كان يختلج في قلبي من مشاعر لم تكن مليئة بالود.

    كنت أريد أن أقول شيئا ما لم يكن واضحا آنذاك، صرخة طفلة تشعر بفطرتها بأن ما كان يدور ويحدث في بلدها كان مما يدخل في نطاق الظلم.

    إذن سأدخل مدرستهم، وسأتعلم لغتهم، وسأفهم كلام فرانسواز، وسأرد عليها وعلى شتائمها بشتائم ألعن..

    + + +

    كنت قبل هذا أختلف إلى مدرسة الإخوان الحرة التي كان يدرس بها أبي اللغة العربية. كنت تلميذة شاملة، لأن أبي كان معلما شاملا، كان يدرس كل المواد.. العربية، الحساب ، التاريخ، الجغرافيا، العلوم، وحتى الرسم والأناشيد الوطنية كنت آخذ دروسا في الحروف الأبجدية في الصباح مع المبتدئين، وفي المساء، أحرر إنشاء مطولة حول حياة المتنبي أو الجاحظ مع طلبة السنة السابعة وهي آخر سنة للحصول على الشهادة الإبتدائية.

    بقيت على ذلك الحال سنة كاملة كنت أستمع خلالها إلى صوت أبي وهو يلقن جيلا من الجزائريين قيم الحرية والمحبة.
    بعدها، وبعد امتلاء أذني بشتائم فرانسواز الرومية بتلك اللغة التي لم أكن أفهمها، كان الوقت قد حان لأزاول دراستي بالمدرسة الحكومية مع الكبار، فقد صار سني ثماني سنوات.

    بقيت أعد النجوم في تلك الليلة الجميلة الطويلة، وطال العد، وانطفأت النجوم وأطلت الشمس في استحياء، ولم يستيقظ أحد من أهل البيت، وكأن الاشياء كلها كانت ضدي.. النجوم، الشمس، إخوتي بتمددهم اللئيم، أبي وأمي اللذان لم يستفيقا في ذلك اليوم كعادتهم مبكرين.

    أردت أن أختبر إخلاص الأشياء من حولي، فالتفت إلى الكرسي الموظب بدقة أمامي، وعليه فستاني الجديد، مئزري قابع في مكانه لم يتحرك، وتحته حذائي الأسود الجميل، لا يتحرك خطوة واحدة كأن على رأسه الطير، والمحفظة الضخمة التي كانت تبحلق في، والكل في انتظار وشوق. تماما مثلي.

    وأخيرا تدق الساعة تمام السادسة وتتململ أمي في الفراش..
    -كم الساعة يا نوال؟
    -السادسة أمي. إنهضي سأتأخر عن المدرسة.
    كان أبي مزهوا وهو يمسك يدي، كان يلتفت إلي مبتسما على غير عادته "أرى أنك على أتم استعداد"، وذلك عندما لمح ابتسامتي التي كان يقول عنها مصطفى الميكانيكي إنها تشبه الربيع، وشعرت أنني كبرت بسرعة .. إنها الفرحة.. فرحة اكتشاف المجهول. اللهفة لامتلاك ناصية تلك اللغة التي...

    أمسكت يد أبي، وسرنا في ذلك الطريق الواسع المزين على جانبيه بأشجار البرتقال والنارنج. كان ذلك بداية طريقي في حياتي الجديدة.

    انتبهت فجأة إلى أبي وهو يحيد بي ناحية رحبة التوت، حيث أجلسني على مقعد عمومي، جلس إلى جانبي وأخرج من جيبه قطعة حلوى من نوع زيجومار، لم يكن يتكرم بها إلا في الحالات البطولية، قدمها لي، أمسك بيدي، وبدأ في الحديث بلهجة جادة:
    -نوال، هل أنت سعيدة اليوم بذهابك إلى المدرسة؟
    -نعم بابا، جداجدا!
    -ألم تكوني سعيدة معنا أنا وأمك في مدرسة الإخوان؟
    -بلى بابا، ولكني أريد أن أكتشف أشياء جديدة.
    -معك حق إبنتي، ولكن يجب أن تتعاملي مع المعلم بحذر شديد. فلا تصدقي كل مايقوله.. سوف يلقنكم دروسا في التاريخ.. وسوف يدعي أننا تابعون لهم وأن أجدادنا هم الغال، فاعلمي بنيتي أنها ليست الحقيقة، هم فرنسيون أوروبيون. ونحن أفارقة، أمازيغ ، عرب. لهم أجدادهم ولنا نحن أجدادنا. وكما تعلمين، ولظروف لا تستطيعين إدراكها الآن، صاروا أقوى منا، فاحتلوا بلادنا، ولكنهم سيرحلون.. هذا أكيد، طال الزمن أو قصر...هل رأيت زوادتك الصغيرة التي معك في المحفظة، فيها كسرة أمك بزيت الزيتون، وفيها برتقالة من أشجار بلادك، في زوادتك كل تاريخك وكل جغرافية هذا الوطن وطنك الجميل، الجزائر يا بنيتي هي كل هذا الحب الذي داخل زوادتك..

    حاولت أن أستوعب كل ذلك الكلام الكبير الذي قاله أبي، لم أقدر، رغم أنني كنت على يقين أنه عالم يعرف كل شيء.

    ابتسم أبي، وشعرت بحرارة يده وهي تضغط على يدي الصغيرة برفق، فابتسمت، وضغطت بدوري على يده، أطمئنه بأن الرسالة وصلت، لأنه حينها فقط، فهمت ما كان يريد أن يقوله لي.

    وواصلنا سيرنا إلى ذلك المجهول.. كانت أشجار النارنج تتراقص حولنا، ولعبت ريح ذلك الخريف الذي كان في بدايته بخصلات شعري، كانت كل أرانب الحكايات التي قرأتها ترقص وتنط حولي، وكذلك القطط، والجنيات، وكان أبي هو أمير ذلك اليوم.

    + + +

    وصلت إلى المدرسة..

    كانت مجموعة من البنات متحلقات جنب الباب الكبير. كلهن بملابس جديدة، أغلبهن فرنسيات. أدركت ذلك من لون بشرتهن، وخدودهن المتوردة، وعيونهن الزرقاء والخضراء، وشعرهن الأشقر. كنت مختلفة عنهن، بشعري الأسود الناعم، وبشرتي السمراء، وعيني السوداوين. كان أبي يقول لي دائما بأن اللون الأسمر الذي يشبه لون المراعي أثناء الحصاد، وبأن العيون السوداء التي تشبه عيون المها في جمالها وسحرها، وبأن الشعر الأسود الذي يشبه الأبنوس، كل هاته الصفات تجعل مني أجمل بنت على وجه الأرض.

    عندما فتح الباب، هرعنا إلى الساحة المزينة جنباتها بأجمل ورود البليدة وياسمينها. ومدير المدرسة ينظم حركتنا الفوضوية كشرطي مرور، لم أفهم لماذا كان إطار نظاراته غليظا إلى ذلك الحد.. وقفنا في صفوف منتظمة لتحية العلم الفرنسي المرفرف على السارية. وبدأنا بترديد النشيد الوطني الفرنسي. لم يكن يشبه الأناشيد التي كان أبي يرددها علينا بصوته الشجي.. لم تكن فيها روح "موطني"، ولا كبرياء "من جبالنا" التي كانت ترتعش لها قلوبنا سرا عندما يأتي المساء ونجتمع كلنا لغنائها بصوت خافت، كما يفعل العاشقون. وشعرت بشيء يشبه الغربة وأنا واقفة بينهن. لم يستطع ياسمين البليدة المملوء بالطفولة، ولا تلك الورود المشعة بالبهاء، أن تخفف من حدة تلك الغربة اللعينة التي نشعر بها عندما تسرق منا صباحاتنا، ومساءاتنا.

    وتذكرت كلام أبي ويده المشحونة بحب الجزائر، وهي تضغط على يدي الصغيرة، لم أعرف لماذا سقطت دمعة ساخنة على خدي الحزين.

    ربما لأنني شعرت وأنا أقف أمام علم لا يعنيني، بأن شيئا ما يسرق من زوادتي الصغيرة.

    في طريق العودة، لم أشعر بدفء يد أبي، لم تتنطط حولي الأرانب ولا الغزلان ولا حتى القطط.. حتى أشجار البرتقال والنارنج لم تعد تعبق الجو بتلك الرائحة الزكية...
    -كيف كان يومك؟
    -أريد أن أنام
    -ما الذي حصل؟
    -ماما... لقد قمت بتحية العلم الفرنسي، هل صرت فرنسية؟؟؟
    -لا. هذه مرحلة عصيبة وستمضي إلى حالها.. ومكان العلم الفرنسي، سيرفرف علمك الجميل الذي تحملينه في قلبك.

    كيف يا ترى، وبدأت أحلم بالطريقة التي يمكن بها نزع ذلك العلم، تخيلت نفسي وأنا أحمل علمي الجميل وأتسلق السارية، على مرأى من المدير، والتلميذات، وحتى فرانسواز.. أنزع علمهم بكل بطولة، وأبي يصفق لي، وأهل البليدة كلهم يهتفون بمجدي ونغني كلنا "موطني موطني"، ويغنيها معنا مدير المدرسة بنظاراته الغليظة وأنفه المعقوف، ثم يلتفت الجميع إلى غريمتي فرانسواز وهي تفر خوفا من بطشي.

    فجأة أسمع صراخا يأتي من نافذة المدرسة أو نافذة البيت، ألتفت مذعورة وقد عم الظلام ، الصورة أمامي واضحة، ومرعبة... أربعة عساكر فرنسيين يعذبون مجاهدا لم يكن واضحا من تلك المسافة ومع ذلك الغبش والصراخ البعيد، إن كان أبي أم مجاهدا آخر... ارتعبت، وصرخت..
    ماما.. ماما.. ماذا يحدث ماما؟ أسرعي، تعالوا.. وبدأ صراخي يخترق الآفاق، سيمزقونه، سيقتلونه، سيرمونه.. وإذا بيد تربت على شعري وصوت أبي: إنه كابوس، نوال، نوال..
    واستيقظت، وفرحت لأن أبي معي وقلت له: أسرع بابا، مجاهد بالخارج، معه العساكر، العساكر الفرنسيون، لقد رأيتهم، إنهم يمزقونه.. بابا، بابا،
    حاول أبي ليلتها أن يقنعني بأن ما رأيته لم يكن سوى حلم، ولكنني إلى الآن أشعر بمرارة تلك اللحظة كما لو كانت قد وقعت فعلا.

    + + +

    نفس ذلك الكابوس كنا نعيشه جميعا عندما كنا في القلعة، كان عمري أربع سنوات، وكان ذلك المشهد هو خبزنا اليومي نحن أطفال القلعة، الذين كبرنا على وقع أحذية العساكر وهي تبحث عن رجال القلعة ونسائها الشرفاء.

    كان أبي هو الشيخ عبد القادر. مرجعية سكان القلعة الدينية والقانونية وحتى الاجتماعية عندما يتعلق الأمر بفض النزاعات العائلية البسيطة. كان يموت في كسرة أمي الصباحية، المغمسة في زيت الزيتون، والتين المجفف.. كان مثل أشجار السرو الصارمة، والتي تضللنا وتحمينا وتحبنا.

    مساره الذي نقله من بلدته وادي سوف، إلى الزيتونة، ثم إلى وادي سوف ثانية بعد نيل الشهادة، ثم ذهابه إلى قسنطينة حيث انخرط في جمعية العلماء المسلمين، ثم سفره إلى القلعة موفدا إلى هناك من طرف جمعية العلماء بعد اندلاع الثورة، كل هذه الطريق، هي قدره الجميل الذي جعل منه رجلا كل همه الجزائر، ذلك الشيء السرمدي الذي كان يبدو لي ولإخوتي غامضا كطعم الحب الأول في بداياته، وكرفرفة الريح التي تنبئ بقدوم الفصول المعطاءة.

    وأعطتنا هذه الفصول أخا صغيرا بحجم حبة الفستق، ربما أكبر قليلا، أخي عصام الذي كان يشبه صغار الأرانب ولا سيما في بياضه الذي كان من دواعي فخر أمي وصديقتها كوكا ماموش.

    كنت أقضى أوقاتى مع أخى عصام وهو لا يزال رضيعا، أرعاه وألاعبه وأنا أتأمل من بعيد الفتيات اللاتى كن يتابعن دروس محو الأميه والقرآن عند أمى، فى تلك الغرفة الصغيره بجانب المطبخ.
    وكان أبى يدرس العربيه للذكور فى المدرسة الوحيده المحاذيه لبيتنا.

    كانت أجمل أيام القلعة عندما يجتمع الأهالي بساحة المدرسة، ويستمعون إلى أبي وهو يحدثهم بحماس عن أشياء متعلقة بالثورة، لم تكن تهمني تلك الخطب بقدر ما كانت تهمني تلك اللحظات التي لا تنسى والتي كانت تعقب خطب أبي، عندما يبدأ الأطفال وأنا معهم في تأدية الأناشيد رفقة أبي الذي كان أثناءها يرمقني من بين كل تلك الجموع، بعينيه المليئتين بالهمة والفخر.


    كم كنت فخورة بأبي..

    كانت حياتنا هادئه رغم العسكر الذين كانوا ينزلون بطائرت الهيليكوبترمثل الجراد. الحقيقة أنني كنت سعيدة بذلك المنظر المضحك الغريب. كنت أخرج مع أطفال القرية نتفرج وننتظر ما قد ينالنا من حلوى تقع علينا كحبات البرد، وكان كل رهاننا هو كيف نتلقفها قبل أن تلمس الأرض.
    كانت تلك الأوقات من أحلى ما علق فى ذاكرتى، ربما بسبب الأعداد الهائلة من الحلوى والشوكولا التي كنت أجمعها خفية عن والدي.

    فى المساء، كانت تدب في البيت حركه غير عادية.. يدخل رجال إلى المنزل.. يستقبلهم أبى ويدخلهم إلى غرفته ويغلق الباب.. طقوس غريبه كنا نعيشها أحيانا فى السهرة، كنت أتساءل دائما، ترى من هم هؤلاء ولماذا لا ينزلون بالمظلات من السماء كالآخرين فى وضح النهار، ولماذا لا يجلبون معهم الحلوى والشوكولا، وأشد ما كان يزعجنى من حضورهم هو مطاردة أمي لنا، وإجبارنا على السكوت. وكم كان يحلو لى التجسس عليهم من تحت الباب، ومعي عصام وهو يطلق قهقهاته الفاضحة.

    + + +

    زهرة..

    كانت زهرة برية نبتت بين ثنايا جبال القلعة، كانت رائحتها مثل رائحة الزنبق، عندما كانت زهرة تأتي عندنا، كانت تجلب معها كل العافية التي في الروابي والحقول. كانت فى السابعة عشر من عمرها، كانت تجالس أمى فى ساحة المطبخ الصغيرة وقت العصر، كانتا تشربان قهوة المساء معا، وأنا وسطهما أتأمل بخار فنجان القهوة الذي كان يصعد وينزل مع يد زهرة، وأتساءل عن كمية الوقت التي يجب أن أقضيها حتى أصير شابة بنهدين مثلها.

    بمجرد ما كنت أبتعد قليلا، حتى تنخفض أصواتهما، وتصيران توشوشان فأحاول استراق السمع، تمكنت من التقاط كلمات قليلة، مثل "السعيد"، "شوق"، "أحبه"..

    كنت أريد حلا لذلك اللغز..
    وفي أحد الأيام، طلبت مني زهرة أن أرافقها إلى أحد أقربائها، ولكنني تفاجأت بأن "أقرباءها" المزعومين لم يكونوا أكثر من شاب وسيم، عرفت من حديثهما أن اسمه السعيد.. إنه اللغز الذي كنت أبحث عن حل له.. لم أر سعادة من قبل، كتلك التي لمحتها في عينيهما وهما يجلسان إلى جذع شجرة زيتون، رأيت شيئا لامعا ودافئا كسهرات الشتاء حول كانون النار، هذا الشيء بعد سنين طويلة، عرفت بأن اسمه "الحب" ذلك الحلم الذي لم يتفتق إلا مع مرور الوقت.

    في طريق العودة، قلت لزهرة:
    -سأقول لهم....
    -إذن أنت لست صديقتي
    -ولكن سأقول لهم، سأقول إنك لم تذهبي إلى أقربائك
    -سأقول لك شيئا، هذا الشاب هو حبيبي. عندما تكبرين، ستفهمين
    -هل ستتزوجان؟
    -نعم، وأنت أول المدعوين، وستلبسين فستانا أبيض، وتجلسين إلى جانبي كأنك عروس..
    -ولكني لست عروسا، ألا تخافين أن يعجب السعيد بي ويتزوجني أنا؟

    وتضحك زهرة وتجرني معها إلى قريتنا بعد أن أخذت مني أغلظ المواثيق بأنني لن أبوح بسرها لأحد مهما يكن من أمر.

    وتمر الأيام، متتالية متشابهة، اجتماعات أبي مع المجاهدين ومع شباب القرية بالليل، انتشار العسكر في كل أرجاء القرية في النهار، الحلوى والشوكولا التي يقصفنا بها الباراشوتيست، مداهمة العسكر لمدرسة أبي، ومحاولة أبي مجاراتهم حتى يغادروا بسلام..

    وفي أحد الأيام، بادرتني صديقتي عائشة ابنة نانا سعدية بالسؤال التالي:
    -لماذا لم يذهب أبوك ولا مرة إلى الجبل..
    فأجبتها:
    -لا اعرف..

    رجعت في ذلك اليوم إلى البيت منكسرة، لماذا لا يذهب أبي إلى الجبل مثل الدا مقران أبي عائشة.. سألتني أمي عن سبب حزني، فقلت لها إنها عائشة.
    -هل تخاصمتما كالعادة؟
    -نعم أمي، هي تقتخر دائما بأبيها المجاهد البطل، بينما أنا لا أجد ما أقوله...
    -إن باباك كذلك مجاهد، ولكنه مجاهد مدني، أي مسبل، يقوم بتجنيد الشباب، ويعلم الناس اللغة العربية كي لا تطمس هويتنا، وهذا نوع من أنواع الجهاد..
    -ولكن، لماذا إذن يستقبل العسكر ويتحدث معهم..
    -إنها خطة لإبعاد الشكوك عنا..


    كان علي أن أحفظ هذه العبارة جيدا "إبعاد الشكوك" أردت وأنا في الفراش أن أعود إلى أمي وأوقظها لأسألها عن معنى كلمة "شكوك" ولا أعرف كيف غلبني النوم.

    في ليلة من ليالي الشتاء، جلسنا كعادتنا حول مائدة العشاء، وقد حضرت أمي قدرا مليئا بفطير أقسول، وهو عبارة عن عجين طازج يطبخ في المرق ويضاف له زيت الزيتون والفلفل الحار. كنت أحب تلك الأكلة، وكنت أنا التي أنقي لأمي حبات العدس. وبينما نحن في أتم الانسجام مع طبقنا اللذيذ، وإذ بصوت القنابل يدوي من بعيد، ثم يقترب، فيخطف أبي القصعة ويدخل بها تحت السرير، فيتبعه الجميع، وأنا معهم، دون أن أتوقف عن الأكل.. إنها ليست المرة الأولى التي ننهي فيها عشاءنا تحت ذلك السرير الذي رفعه أبي بقطع من الآجر، فأصبح مخبأ رائعا لي ولعصام، وكان النوم تحته يعفينا عناء تسلقه للنوم فوقه مثل بقية الخلق.
    شعرت ليلتها بخوف شديد من انهيار السقف على رؤوسنا، وسمعت أمي وهي تقول بصوت مطمئن: أظن أن قذيفة وقعت على المطبخ، ويجيبها أبي بثبات: سأتكد من ذلك في الصباح، نامي الآن..

    ونمت.

    كنت ألبس لباس المجاهدين الذين يصعدون إلى الجبل، وقررت أن ألحق أبي الذي كان في المطبخ لمعاينة الأضرارالتي لحقت به، أفتح الباب بكل شجاعة وعزم، وإذا بالعساكر يضربون أبي.. وشرعت في الصراخ،.. سيمزقونه.. سيقتلونه.. وإذا بأمي تهزني من كتفي..

    إنه كابوس..

    نعم لقد كان ذلك الكابوس.. أذكر الآن أننا أثناء عشائنا تلك الليلة، كان أبي ينزع من قصعة الفطير شظايا الانفجار التي كان عصام مصمما على أكلها.

    ما كان يحيرني في تلك الفترة من حياتي، هو جملة كانت تقولها لي أمي عندما أسألها عن بعض المواضيع، وهي: "عندما تكبرين، ستفهمين".

    انتهزت فرصة ذهابى مع زهرة لزيارة "أقربائها" لأطرح معها بعضا من تلك القضايا الشائكة التى كانت أمى تتهرب من الخوض فيها. أمسكتها من يدها وقلت لها: لمذا تسود أمى وجهها بالفحم وتلبس ثوبا متسخا وممزقا كلما جاء العسكر للقلعة؟ا
    ولكنني أتفاجأ بها تقول لي ملء شدقيها: "عندما تكبرين، ستفهين"، ففكرت أن أستخدم معها تكتيكا جديدا، فضغطت على يدها بدهاء، وقلت لها:
    -من هم أقرباؤك الذين سنزورهم؟
    -أأأه
    -ماذا سيفعل أبوك لو يعرف بأن له قريبا لا يعرفه؟
    -أهأأه
    -إذن ردي على سؤالي.
    -اسأليها هي...
    -أريد أن أعرف منك زهرة.
    -ما تفعله أمك أفعله أنا كذلك يا نوال.
    -نعم ولكن لماذا؟
    -ستفهمين ذلك، عندما تكبرين... دعينا من ذلك.. هل تعرفين يا نوولة بأن السعيد طلب يدي البارحة، وموعد العرس قد صار قريبا.. ولكن أبي لا يعرف بلقائنا، لأن ذلك "عيب"..

    وبعد لقاء زهرة بـ "أقربائها"، وجلوسهم معا تحت شجرة الزيتون، وتبادلهم أطراف الحديث، عدنا.. وفي طريق العودة، ذكرتني زهرة بما لم أكن أريد تذكره: "كيف حال أخيك عصام؟"

    + + +

    عصام..

    حبة الفستق التي تتدحرج كخيال بهيج من أعلى روابي خيالي، لتستقر في قلبي جمرة لا تنطفئ.. كان مريضا، أخي عصام.. كنت أسمع أبي يقول عندما تشتد به الحمى بأنه سيأخذه إلى الطبيب الموجود بإغيل علي، بمجرد ما يرفع الحصار عن القلعة..

    ولم يرفع الحصار أياما طويلة..

    عند عودتي من نزهتي مع زهرة، لمحت أمي واقفة أمام باب البيت، تترقب قدومي. ما إن رأتني، حتى نادت بأعلى صوتها: "نوال، أسرعي إلى العجوز كوكاماموش، واطلبي منها الحضور بسرعة.. قولي لها إن حالة عصام سيئة"

    وطرت إلى تلك المرأة التي كنت أكرهها وأخاف منها،
    فهي في كل مرة تأتي فيها إلينا، تشاكسني قائلة: "أنت كحلوشة ماشي كيما يماك.. وماشي كيما خوك عصام.. أنت ماكيش بنتهم.. لقاوك حذا الجامع.. " وتطلق بعدها ضحكة هستيرية أقرب إلى السعال منها إلى الضحك، سعيدة بعبقريتها واستنتاجاتها السخيفه، كنت فى كل مرة أتمنى لو أراها ميتة أمام عينيى، ولا يحصل ذلك، بل تبقى فى كامل صحتها تشاكسنى، والأدهى من ذلك أنها كانت تخنقنى محاولة قتلى بحجة رفع لوزي بمباركة أمي التى كانت تطلب منها فعل ذلك......

    وصلت الى بيت كوكاماموش:
    -واش تحبى الكحلوشة؟
    -عصام مريض جدا، وماما تطلبك فى الحال......
    وتسمرت الضحكة التي كانت ستدفع بها إلى الخارج، شعرت في تلك اللحظة أنني أحبها قليلا.

    ما إن دخلت كوكاماموش بيتنا، حتى هبت إلى فراش أخي عصام الذي كان يتصبب عرقا.. جسته من كل النواحي، ووضعت على جبينه ضمادات مثلجة، ثم طلبت من أمي إحضار أربعة دورو، جالت بها على كامل جسده، ثم أعطتني إياها وقالت لي بصوت خافت خيفة أن يسمعها أبي الذي كان يوبخها كلما كانت تقوم بهذه العملية الغريبة، قالت لي: "إرم هذه الأربعة دورو على قارعة الطريق". دهشت لهذا الطلب الغريب وتيقنت من أن هذه المرأة مجنونة فعلا.. وقلت لها بتحد: "ولماذا أرميه، أليس من الأحسن أن أشتري به حلوى؟" وتدخلت أمي: "إياك أن تشتري به أي شيء، نفذي ما تقوله كوكاماموش وكفي عن الثرثرة.. هذه القطعة ليست ككل الدراهم، هي تجلب المرض، لقد سبعت بها كوكا أخاك عصام، هل فهمت الآن؟"

    في الحقيقة أنني لم أفهم، وذهبت مع ذلك إلى الطريق الكبير، ولسان حالي يقول: "لكي يشفى عصام، يجب أن يمرض إنسان آخر؟" وبما أني أحب أخي كثيرا، فكنت مستعدة على التضحية بذلك الشخص المجهول في سبيل أن يشفى أخي، وما على أهل ذلك الشخص إلا أن يطلبوا كوكاماموش، لتقوم لهم بنفس العملية… لا، لا، ولكن أليس هناك حل وسط؟ وبعد تفكير مضن وطويل، توصلت إلى الحل السحري لمعضلتي: أضعها، أي الأربعة دورو، تحت حجرة، فالحجرة لن تتأثر بالمرض لأنها حجرة، صماء.. وهكذا، إلى أن يذوب مرض عصام ويتلاشى مع الرياح والأمطار والثلوج..

    ولكن مع مجيء فصل الرياح والأمطار، كان عصام قد ذهب إلى ذلك المكان الذي لم أكن أفهمه، ذهب، وأخذ معه ضحكاته التي كانت تحول خريف البيت إلى ربيع دائم.. راحت حبة الفستق مع كل الذكريات التي كانت تجمعنا، لن يوقظني في الصباح الباكر، ولن يشد على شعري، ولن يقبلني..

    ويعم الصمت والحزن منزل الشيخ.. قد مات عصام من ندرة الأدوية.. مات جراء ذلك الحصار اللعين، لم يمت عصام لوحده، بل مات أطفال كثيرون في تلك الحرب، ذنبهم الوحيد أنهم أطفال شعب اختار النضال والصمود أمام آلة الظلم.

    مرت الشهور اللاحقة وأنا أرقب عودة عصام الذي قالوا لي إنه نائم في مكان بعيد.

    ولم يأت عصام.

    ولكن جاءت فصول ملأى بالجنون والخوف، حين هاجم العسكر ذات ليلة قريتنا، فأخذ نا أبي بعد أن جمع بعض أغراضنا الضرورية، ونزل بنا إلى أسفل الربوة حيث منزل عائلة الدا مقران أبي صديقتي عائشة.. كان أبي يعلم أن العسكر عندما يهجمون في الليل، فإنهم يتخذون منزلنا مع المدرسة مقرا لإقامتهم. بقينا أياما في ضيافة نانا سعدية زوجة الدا مقران الذي كان في الجبل. وفي إحدى الليالي، سمعنا خطوا عند الباب بينما نحن متحلقون حول الكانون.. فيقوم أبي بفتح الباب، ليجد نفسه وجها لوجه مع أربعة عساكر ومعهم رجل ملثم كنا نسميه بوشكارة.. يبادره أحدهم بالسؤال: "أين مقران صاحب البيت؟" فتسرع نانا سعدية وتمسك بيد أبي وتقول: "هذا هو الدا مقران"، فيرد عليها بوشكارة: "هذا ليس الدا مقران، إنه الشيخ عبد القادر"..

    ويتم اقتياد أبي أمامنا، بينما تشرع أمي في نحيب مر.. وبكيت.. لا أعرف لم بالضبط، ألبكاء أمي، أم خوفا على أبي من مصير غامض ومجهول.. ولكن سرعان ما أمسح دموعي، وألتفت إلى عائشة، وأتذكر أسئلتها الغبية حول ما إذا كان أبي مجاهدا أم لا..

    مر أسبوع كغيمة شثاء قاتمة على القلعة، المنيعة الشديدة، التي أخذت غيلة.. لأنها لم تكن مهيأة لخوض حروب الغدر، سقطت لأنها لم تكن قد نسيت كالآخرين، مواثيق الفروسية والنبل، لذلك سقطت قلعتنا الجميلة وتحول هواؤها الملآن بشذا الياسمين والزعتر.. إلى غيمة شثاء قاتمة..

    وغادر العسكر، بعد أن رابطوا أسبوعا بأكمله في بيتنا وقد حولوه إلى ثكنة، وجزء منه إلى سجن وملحقة للتحقيق. في ذلك الصباح، صعدنا جميعنا إلى المكان الذي كان بيتنا، أنا، نانا سعدية التي أصبحنا نقيم عندها، أمي، وعدد من أهل القرية الذين كانوا يبحثون عن مفقوديهم..

    أول ما قابلنا في ساحة المدرسة، جمع من الناس متحلقين حول كومة كبيرة من الرماد والورق المحروق.. إنها كتب أبي.. كتبه التي بقي سنينا يجمعها كما تجمع حبات اللؤلؤ.. من كل بلد مر بها، كانت هنالك أيضا أوراقه الحميمية، مذكراته، خططه التدريسية، وصورنا في مختلف مناسبات حياتنا التي مرت كشريط باهت ساعتها أمام عيني، جرينا على الثلج، أكل الكسكسي في أحد الأعراس، أمي حول صينية القهوة.. أبي وقد صف تلاميذه كالعسكر أمام الصبورة التي كتب عليها التاريخ وا سم المدرسة..

    كانت أبواب البيت مشرعة على خراب حقيقي، ما بقي من مؤونة مذرور على الأرض، زيت، سكر، سميد.. ورائحة الموت بين ثنايا أثاثنا المكسور، والمبعثر في كل مكان.. ما إن دخلنا إلى المطبخ، حتى أطلقت أمي صرخة قطعت أوصال الصمت، "إنه الشيخ.. لقد قتلوه.. قتلوه" وإذا بي ألمح على الرض جثة، سرعان ما عرفنا أنها كانت لرجل آخر..

    من ذلك الوقت، لم تغادر صورة تلك الجثة مخيلتي، وإلى الآن، شيء ما يجعلني أ شعر بأنها لأبي، رغم أنه عاش وعاد إلينا، ربما لأن كل الذين استشهدوا هم بمثابة الأب لي ولكل الجزائريين.

    بدأت تروج إشاعات فى القرية حول شيء لم أفهمه حينها، وهو أن العساكر، قبل مغادرتهم، قاموا باغتصاب مجموعة كبيرة من النساء، وكانت أمي ونانا سعدية تتحدثان فى الموضوع بتكم شديد. فهمت من حديثهما أن زهرة من بين هؤلاء أردت أن أعرف ماذا جرى لزهرة.. عندما سألت أمي ردت علي بذلك الجواب الذي لا يجيب: "عندما تكبرين، ستفهمين"..

    لم أستسلم، وصممت على معرفة الحقيقة، فالأمر يتعلق بصديقتي زهرة، زهرة التي تعني لي الكثير، زهرة التي وعدتني بالجلوس بجانبها يوم زفافها.
    وانطلقت أبحث عن عائشة، صاحبة ركن "لكل سؤال جواب"في إذاعة الحي..
    -ما معنى "اغتصاب"؟
    -أنت فعلا جاهلة، إنه الضرب على البطن
    -.........
    -والتي يحدث لها هذا الأمر، لا تستطيع الزواج.
    -!!!!!!!!!!!
    -إذهبى الآن أيتها الجاهلة..

    لم يشبع فضولي ذلك الكلام السخيف، فقررت زيارة زهرة فى بيتها.
    كانت زهرة في الفراش، وعلى وجهها علامات الحزن الشديد، عيناها خامدتان منطفئتان، خداها أصفران، فمها مشقق أبيض، كأنها شبح زهرة، زهرة التي كانت إسما على مسمى.
    أبحث عن الكلام الذى حضرته، ولا أجده، فأرتمي بين أحضانها، وتبكي كلانا بحرقة.. هل الضرب على البطن موجع لهذا الحد؟

    وفي ليلة مقمرة من ليالي رمضان، بينما الكل متحلقون حول الكانون، كنت أجلس غير بعيد، مع صاحبة "لكل سؤال جواب"، وفي فمي قطعة لبان، ألهو بها، فتخرج فقاقيع تحدث أصواتا كأصوات القنابل..

    قالت لي عائشة دون أن تلتفت إلي: "إن من يمضغ اللوبان فى الليل، يموت أحد والديه قبل طلوع النهار"
    !!!
    رميت قطعة اللوبان دون تردد.. تذكرت ما سمعته من أن أبي الشيخ قد حكم عليه بالإعدام.. لا أريد أبدا أن أكون السبب المباشر في موت أبي.. وشعرت حينها بقشعريرة تسري في جسدي، فاقتربت من الكانون، ووضعت رأسي على فخذ أمي أتأمل الجمر المتوهج، وأتخيل أبي في ذلك السجن البارد الرطب، مقيد اليدين والرجلين، فبكيت، لقد اشتقت إليه كثيرا، وتمنيت رؤيته تلك الليلة في الحلم، فأغمضت عيني.. وإذا بطرق خفيف علي الباب، تسأل نانا سعدية بصوت خافت
    -من.. من ؟
    -إفتحي، أنا الشيخ عبد القادر.
    ويهب الجميع واقفا، ويدخل أبي ومعه رجلان كانا معه في السجن، قال أحدهما: "لقد أطلقوا سراحنا"، وينطق الثاني: "لقد كتب للشيخ عمر جديد".
    وأخذت أتمتم.. إنه حلم، إنه حلم.. وإذا بيد تشد على كتفي، "ليس حلما، ليس حلما إنها الحقيقة يا نوال"

    نعم لم يكن حلما،هذا أبي أمامي، وبكيت من فرط السعادة، لقد تحقق حلمي بسرعة، أنقذت أبي فعلا، وعاهدت نفسي أنني لن أمضغ اللبان بعد الآن لا في الليل ولا في النهار.. تربعت فى حجر أبي الدافئ، ألعب بذلك الشيء الذى كان يبرق من تحت قميصه، كان كل اهتمامي منصبا على ذلك الشيء..
    -ما هذا بابا؟!
    وأجاب ضاحكا: هذا فستان نسائي، وجدته في حقيبة ملقاة في السجن، فلبسته تحت ثيابي لاتقاء البرد الشديد.. فانفجر الجميع ظاحكين من منظر الشيخ المحترم بالجبة المطرزة بالسمسم والعدس والفتلة المذهبة..

    + + +

    وحل فصل الشتاء..
    ببرده وثلوجه التي غطت السهول والجبال بحلة بيضاء ناصعة.
    وفي يوم من أيامه تلك التي لا يخرج فيها أحد من بيته إلا لحاجة ملحة، خرجت متجهة إلى منزل العجوز كوكاماموش بطلب من أمي التي يبدو أنها أحست بآلام المخاض.. شعرت وأنا أسير ببطء شديد على الثلج البارد أنني أساق إلى حتفي.. إلى تلك العجوز التي سأسمع منها نفس الكلام ونفس القهقهات، والتي سأشعر نحوها بنفس الكراهية، وسأتمنى لها الموت مثل كل مرة، ولكنني أمسكت أعصابي، وفضلت تأجيل حكاية الموت إلى وقت لاحق، لأن أمي الآن في حاجة إليها، فهي شر لا بد منه..
    ما إن طرقت الباب حتى فتحته العجوز وفتحت فمها في آن واحد: "علاش جيتي الكحلوشة؟ ماماك جاها الوجاع؟" وأومأت لها برأسي أن أجل، فارتدت رداءها بسرعة دون أن تنسى مشاكستي:
    "ان شاء الله تولد يماك طفل شباب، كيما خوك عصام، أبيض..كيما ماماك.. ماشي كحلوش كيما انت" فأجبتها وأنا أدعو الله أن يأخذها لكن بعد أن تتم مهمتها: "انشاء الله.."
    واتجهت الصديقتان الحميمتان صوب المنزل.

    عند وصولنا، سمعنا صراخ أمي العالي والمتقطع، فطلبت كوكاماموش من النساء اللواتي سبقنها إلى هناك تسخين الماء، ودخلت كوكا إلى الغرفة التي كانت بها أمي.. كنت أسمع بعض العبارات مثل: إنه فارسي.. لقد جاء برجليه.. يبدو أن الولادة عسيرة.. لولا الحصار لجيء بالطبيب.. ستموت بين أيدينا..
    وبعد مدة، لم أعد أسمع صوت أمي الذي خفت حتى أصبح أنينا ضعيفا.

    وبعد يوم كامل من العذاب، جاءت أختي الفارسية، وأسقط في يد كوكاماموش.. بعد كل هذا التعب والمعاناة، تأتي بنت وتحرمها من المكافأة السخية لو جاء المولود ذكرا.
    ألقيت على أختي نظرة خاطفة ومتوجسة.. بدت لي كأنها جرو، وبقيت أتصورها جروا شهورا طويلة، اقترحت أن نطلق عليها اسم نائلة، لأنني كنت أحب البيت الذي كان يردده أبي "...ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل، عفاف وإقدام وعزم ونائل."

    بقيت أمي مدة طويلة ملازمة الفراش، وبعد أن استرجعت عافيتها، عدنا إلى منزلنا بالمدرسة، وانفرج قليلا ذلك الحصار المضروب على القلعة، ولكن المقاومة زادت لتعم كل القرية وضواحيها.
    وفي سنة تسعة وخمسين، يقرر الجيش الفرنسي ضرب القرية وتدميرها كآخر وسيلة للخلاص من المجاهدين، فيخرج كل السكان تاركين وراءهم منازلهم وأراضيهم وكل ما يملكون..

    + + +
    أتذكر يوم خروجنا من القلعة، في ذلك اليوم الماطر، وأنا أمشي وراء البغلة التي كانت تركبها أمي وأختي الرضيعة، كانت قدماي الحافيتان تغوصان في الوحل، فأبكي، أبكي من فرط الألم، ومن شدة البرد، والتعب، كنت أبكي لأنني لم أكن أريد ترك منزلنا وبلدتنا، أبكي لفراق صديقات الطفولة، خاصة زهرة، زهرتي البرية التي كسر كبرياءها زمن الظلم والهمجية.. كنت أبكي لأنني لم أكن أعلم ما الذي ينتظرنا أنا وأهلي.. ذلك المصير الغامض الذي لم تكن ملامحه واضحة في مخيلة الطفلة التي كنت..

    وانتهى بنا المطاف إلى البليدة، بعد أن جلنا مدنا كثيرة، سكيكدة.. البرج.. العاصمة.. وعاد أبي للتعليم ثانية في مدرسة من مدارس جمعية العلماء.

    + + +

    وجاءت تلك الليلة..
    الليلة التي كنت أترقب فيها طلوع الشمس كي ألتحق ولأول مرة بالمدرسة الحكومية، حتى أتمكن من تعلم لغة فرانسواز والرد على شتائمها المزعجة..
    ومرت حياتنا كحياة الناس.. وحياتي أنا كحياة البنات اللواتي على عتبة الشباب، مليئة بالقهقات، والأسئلة، والقلق، وترقب ابتسامة جارنا مصطفى الميكانيكي الذي كان دائما يقول لي: "ابتسامتك أجمل من الربيع.."

    + + +

    حدث بقي كالوشم في الذاكرة..
    أربعة جويلية عام اثنين وستين.. لا، ليس الاستقلال، بل مخاض أمي، عندما طلبت مني أن أحضر لها كوكاماموش.. نعم، كوكاماموش، التي شاء القدر أن تدور وتدور، ثم تحط رحالها بالبليدة، لتسكن في غرفة بجوارنا، مستأنسة بنا.
    فتحت العجوز الباب، ولكنها لم تقل جملتها المعتادة، ولم تطلق العنان لضحكتها الهستيرية.. لقد أصبح بيننا مودة وألفة، أصبحنا صديقتين، نقضي أوقات فراغنا معا، أقوم بشؤونها وأرعاها، لقد كانت تذكرني بالقلعة، تلك البلدة التي كبرت فيها وكبرت فيها أحلامي.. وهكذا استقرت كوكاماموش في قلبي كحبة لوز جبلية، فلم أعد أرى أجمل منها، تماما مثلما استقرت القلعة في قلبي لتصير جزءا منه.

    ودقت ساعة النصر، ساعة أعلن للعالم أجمع عن استقلال الجزائر. في تلك الليلة وضعت أمي صبيا جميلا، استبشر الكل بقدومه، قال أبي حينها جملته التي لم أسمع أروع ولا أجمل منها: "لقد جاءنا اليوم نصران، نصر للوطن كله، ونصر لنا" وسمي بالفعل ذلك الصبي نصر..

    عاش الشيخ عبد القادر بعد ذلك بالبليدة، يدرس بثانوية ابن رشد حتى التقاعد، أذكر يوم زرته بعد أن كبرت وصار عندي أولاد، زرته برفقة أمي وإخوتي.. كان على فراش الموت، ولاحظ أنني كنت أبكي فمسح دموعي وقال لي:

    هل تذكرين المجاهد الذي كان معي في السجن..
    هل تذكرين حين قال "لقد كتب للشيخ عمر جديد"..
    فعلا يا ابنتي نوال، لقد شعرت حينها أنني ولدت من جديد، فكل هاته السنين التي قضيتها بينكم هبة من الله..
    أنا الآن في هذه اللحظات الأخيرة حي أكثر من أي وقت مضى، حي كالصباح.. والحرية.. وكبساتين البليدة المعطرة بالنارنج والياسمين..

    الياسمين..

    وكبرت..

    كبرت على وقع الياسمين الذي كان يؤازر خطوي في حياتي الصاخبة الهادئة.. كقطعة نرد.










    عاشقة الفيزياء
    عضو مميز
    عضو مميز

    انثى
    عدد المساهمات : 56
    نقاط : 2389
    العمر : 28
    المزاججيد جدا

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف عاشقة الفيزياء في الإثنين أغسطس 09, 2010 11:30 pm


    مشكورة يا أخت سلوى على القصة الرائعة
    في انتظار المزيد

    سلوى
    عضو فضي
    عضو فضي

    انثى
    عدد المساهمات : 188
    نقاط : 2593
    العمر : 21
    الموقعوادى سوف الدبيلة
    العمل/الترفيهطالبة وعاشقة للسفر وركوب الخيل
    المزاج حسب الجو

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف سلوى في الثلاثاء أغسطس 10, 2010 12:46 am


    I love you

    rabbahi_sadok
    عضو فضي
    عضو فضي

    ذكر
    عدد المساهمات : 151
    نقاط : 2493
    العمر : 30
    الموقعوادي سوف
    العمل/الترفيهخريج محروقات و كيمياء وطالب لغه فرنسيه
    المزاجهادئ

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف rabbahi_sadok في الخميس أغسطس 26, 2010 1:57 am


    bemsaid
    عضوذهبي
    عضوذهبي

    ذكر
    عدد المساهمات : 259
    نقاط : 2590
    العمر : 30
    العمل/الترفيهطالب
    المزاجantik

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف bemsaid في الخميس أغسطس 26, 2010 4:24 am

    طووووووووويلة جدا لكن جميلة
    شكرا اختي


    _________________
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    HELMI
    فريق الادارة
    فريق الادارة

    ذكر
    عدد المساهمات : 730
    نقاط : 2947
    العمر : 21
    العمل/الترفيهكرة الطائرة
    المزاجحسب الجو

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف HELMI في الجمعة مارس 11, 2011 7:50 pm



    _________________

    قــــ الجزائر ـــــلب
    عضوذهبي
    عضوذهبي

    انثى
    عدد المساهمات : 282
    نقاط : 2374
    العمل/الترفيهكتابة الشعر

    رد: قصة و لا اروع للكاتبة الحائزة على الجائزة الوطنية لكتابة القصة......تفضلوا

    مُساهمة من طرف قــــ الجزائر ـــــلب في الأربعاء مارس 30, 2011 1:42 pm


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 12:48 am